قد لا يحلم أحد بنهاية قريبة للحرب الجارية في اليمن ، ولا بأن تنتهى إلى استعادة البلد كما كان قبلها .
وقد لا تكون الحروب شيئا استثنائيا في تاريخ اليمن ، فقد جرت حرب ضارية ، استمرت لثماني سنوات ، بدأت عقب انقلاب عبد الله السلال على المملكة المتوكلية في 26 سبتمبر 1962 ، وإعلان الجمهورية العربية اليمنية ، التي ساندتها مصر عبد الناصر ، ووقفت ضدها كل الملكيات العربية الرجعية وقتها ، بدعم أمريكا وإسرائيل ، إضافة لبريطانيا التي كانت تحتل جنوب اليمن ، وحين وضعت الحرب أوزارها في عام 1970 ، كانت الجمهورية قد انتصرت ، وفكت حصار الملكيين على صنعاء ، وكان جنوب اليمن قد تحرر قبلها من ربقة الاستعمار البريطاني ، وكان المجتمع اليمنى يلتحق بإيقاع العصر الحديث .
المعنى ، أن الحرب وقتها كان لها مغزى ، كانت صداما عنيفا داميا بين نزعتين ، وانتصرت النزعة الجمهورية التحررية في النهاية ، وقامت الجمهورية ، التي شهدت أزهى سنواتها بين 1974إلى 1977، أي في العهد القصير الثرى لرئاسة إبراهيم الحمدى ، الذى جرى اغتياله بتدخل الجوار السعودي ، مما مهد لحكم على عبد الله صالح ، الذى استمر لعقود ، وشهد فسادا ناهشا ، برغم انجاز الوحدة اليمنية جنوبا وشمالا في أوائل تسعينيات القرن العشرين ، وإلى أن قامت ثورة شعبية عام 2011 ، سرعان ما جرى إجهاضها بالتدخل الرجعى ، فيما عرف باسم "المبادرة الخليجية" ، وإلى أن جرى التحول إلى الحرب من جديد ، بعد استيلاء الحوثيين على السلطة في صنعاء أواخر 2014 ، واندلاع الحرب المدمرة ، التي قاربت الخمس سنوات من عمرها ، ومن دون التوصل إلى نتيجة عسكرية حاسمة ، اللهم إلا إهلاك الحرث والنسل ، ونشر الأوبئة الفتاكة ، وتهجير ملايين من نخبة اليمن إلى خارج الحدود ، وتفتيت المجتمع اليمنى على نحو غير مسبوق ، والعودة باليمن إلى ما قبل حرب الجمهورية ، بل ربما إلى ما قبل المملكة المتوكلية اليمنية ، التي قامت في نهايات العقد الثاني من القرن العشرين ، وحيث كان اليمن قبلها ، مجرد فضاء جغرافي ، قامت فيه لمئات السنين ، سلطنات وإمامات بالعشرات ، حجزته طويلا في قوالب القرون الوسطى .
وليس بالوسع ، أن نبدى تعاطفا أو ميلا لأى طرف في الاحتراب الراهن ، فليس من عنوان تقدمي ولا تحرري واحد ، فلا التحالف السعودي الإماراتي يريد إنقاذ اليمن ، ولا أدوات التحالف اليمنية مما يستدعى حماسا ، ولا الحوثيون الذين يفخرون بأسلحتهم الإيرانية ، مما يمكن أن تصفه بالقوة الثورية ، فهم رجعيون حتى النخاع ، ونزعتهم السلالية تفضحهم ، وموقفهم ضد النزعة الجمهورية لا يخفى ، ورايتهم المرفوعة ملكية وراثية ، تحصر أهل الحل والعقد في السلالة الهاشمية ، وفى العائلة الحوثية المتشيعة ، التي تريد الاستئثار بأتباع المذهب الزيدي ، والزيديون أقلية في التكوين الديني لليمن عموما ، ولم تكن لهم مشكلة طائفية مع المذهب الشافعي السائد ، بل كانت المشكلة سياسية ، حيث استندت الملكية المتخلفة إلى ادعاء الوراثة الزيدية الهاشمية ، وبذات النهج الذى يرثه الحوثيون اليوم ، ومن دون اقتناع من عموم الزيديين ، فقد كان إبراهيم الحمدي زيديا ، وهو ألمع وأفضل رئيس جمهورية يمنى ، وكان على عبد الله صالح هو الآخر زيديا ، وجرى اغتياله في النهاية على يد الحوثيين . والمعنى مجددا .
أن لا هدفا سياسيا نبيلا من وراء الحرب الجارية ، فالحوثيون ملكيون عنصريون سلاليون رجعيون ، والأطراف المقابلة تدعى نسبا إلى معنى الجمهورية ، وباستثناء الناصريين والاشتراكيين وفئات أخرى أصغر ، قد لا تجد غير تشكيلات رجعية ، تدعى انتسابا للإسلام المتسلف ، أو لنصرة عائلة على عبد الله صالح ، وتخلع على نفسها أردية عصرية ، لا تكاد تخفى طبائعها القبلية والجهوية ، إضافة لجماعات الانفصاليين في جنوب اليمن ، وطوائف أكثر ممن حولوا الحرب إلى مهنة في ذاتها ، وينقلون البنادق من كتف لأخرى ، بحسب اتجاهات الربح المالية والارتزاقية ، ولا يؤمنون بأي قضية أو مبدأ سوى غواية الحرب من أجل الحرب ، ومضاعفة بؤس ما تبقى من المجتمع اليمنى ، الذى يجتاحه الجوع والمرض ، مع انهيار كل وجود للدولة ، بعد أن تحول اليمن إلى خانة "الدول الفاشلة" بامتياز .
والأخطر مما جرى ، أن المجتمع اليمنى فقد عافيته ، فوق فقدان التماسك السياسي والجغرافي ، ومن دون أن يسعى أحد خارج اليمن إلى إنقاذه ، فلم يعد للسعودية من فرصة لانتصار حربى ، وقد انتقلت بإطراد إلى مواقع الدفاع العاجز عن حدودها ومنشآتها البترولية ، ولم تعد بها من قدرة على نصرة أعوانها اليمنيين ، وقد لجأت إلى فرض "اتفاق الرياض" بين عبد ربه منصور هادى و "المجلس الانتقالي الجنوبي" ، علها تجد سندا تتكئ عليه في خرائط اليمن المفككة ، التي تحولت لمناطق نفوذ وسيطرة متفرقة ، فالحوثيون يسيطرون على الهضبة الشمالية ، ولا فرصة عندهم لمد النفوذ إلى ما هو أوسع ، وجماعات متعددة متناحرة ، تنتشر في الوسط من حول مدينة "تعز" .
فيما تبدو "الحديدة" وامتداداتها مجالا لنزاع حربى قد يطول ، بين الحوثيين و"حرس الجمهورية" التابع لعائلة صالح ، ويسيطر "المجلس الانتقالي" على عدن وجوارها من محافظات الجنوب ، فيما تبدو خطوط الصدام متجمدة إلى حد ملموس ، حتى وإن دارت مناوشات واشتباكات متقطعة ، فقد تعبت الأطراف كلها من كلفة الحرب ، التي تريد السعودية الخلاص منها ، ومن دون ختام سياسي ظاهر الملامح ، فمصير اليمن يبدو مؤجلا ، ومرتبطا بصراعات أخرى أكبر جارية في منطقة الخليج ، لا تبدو لها من نهاية قريبة ، فالسعودية تحت الحماية الأمريكية تواجه إيران ، وطهران لن تفرط بورقة الحوثيين في اليمن ، خصوصا بعد تهديد انتفاضات لبنان والعراق لخرائط النفوذ الإيراني ، وانشغال إيران بالمضاعفات الاجتماعية والسياسية المتفاقمة للحصار الاقتصادي.
وفى المحصلة ، لا يبدو أمام اليمن ، سوى واحد من طريقين ، إما تسوية صورية هشة ، تنطوي على احتمالات تجدد الحروب ، ومخاطر تكريس تفكك اليمن إلى عدة "يمنات" ، وليس فقط إلى جنوب وشمال ، كما كان عليه الأمر قبل عقود ، وتلك هي ذروة المأساة ، التي يحتاج الخلاص منها إلى معجزة سياسية حقيقية ، تقود إلى استعادة اليمن موحدا ، وما من سبيل إلى المعجزة بغير طريق آخر ، لا تكون الحرب واحدة من محطاته ، ويعتمد على عمل سلمى مدنى تماما ، يحاكى أساليب الانتفاضات العربية المعاصرة .
ويخلع عن نفسه كل ولاء أو شبهة ارتباط بعنوان إقليمي بعينه ، ويجمع في تحرك سلمى متصل ، بين مدن اليمن الكبرى في صنعاء وتعز وعدن ، ويضع لنفسه هدفا واحدا ، هو استعادة اليمن لليمنيين ، والتخلص من هيمنة جماعات وميليشيات الحروب المهلكة ، وقد لا يبدو الطريق إلى انتفاضة يمنية جامعة سهلا ولا سالكا ، وهذا صحيح إلى حد كبير ، وإن كنا نثق في سلامته ، وفى كونه السبيل الوحيد الباقي أمام الشعب اليمنى ، الذى يتوق للسلام ، والعودة إلى أحوال الحياة الطبيعية ، فقد آن للبنادق أن تسكت ، وآن للعقل والحكمة اليمنية أن تقوم بدورها ، وأن ترفع شعار السلام وإعادة بناء الدولة ، استنادا لتفاهمات عامة ، بينها وثائق الحوار الوطني الشامل الذى جرى قبل الحرب ، وما من خلاص أكيد بغير صرخة يمنية من الأعماق ، عابرة لخطوط التقسيم ، التي انتهت إليها الحرب ، وساعية لحق اليمنيين في كسب الحرية ، وبناء نظام سياسي توافقي ، يجرى الاحتكام في صوغ ملامحه إلى انتخابات واستفتاءات شعبية حرة .
فهل تتحقق المعجزة ؟ ، وينتفض اليمن ، هذا ما نأمله ، وإن كانت الحوادث لا تجرى بالنوايا الحسنة وحدها ، لكن اليمن ، برغم عمق جراحه ، ونوافير دمه السيالة ، وتعدد وجوه مأساته الحاضرة ، هذا اليمن المبتلى ، قادر فيما نظن على اجتراح المعجزة من جديد ، وقادر على الانتفاض مجددا ، تماما كما فعل مرات من قبل ، في انتفاضات الجمهوريين اليمنيين ضد الملكية الإمامية المتحجرة ، وفى الصمود الأسطوري لأبناء وبنات ثورة 26 سبتمبر 1962 ، وفى الكفاح المسلح للجنوب اليمنى ضد الاحتلال البريطاني ، وفى صياغة هدف واضح قاطع لانتفاضته المأمولة ، التي إن جرت بإذن الله ، فسوف تستقطب مشاعر وتأييد أغلبية المواطنين اليمنيين ، المهم أن يبدأها أحد ، يخرج من الاستقطابات الحربية كلها ، ويطلب نجدة الناس العاديين ، فاللحظة العربية الراهنة ، هي لحظة المواطن العادي ، المتجرد البريء من كل ميل ، إلا الولاء لأشواق الكرامة والحرية ، واليمنيون هم أكثر العرب الحاضرين احتياجا لانتفاضة سلمية ، ندعو القوى المدنية اليمنية الحية إلى البدء بها ، ثم يطورها الجمهور الواسع المبدع ، وبوسع الشعوب حين تصحو لحقوقها ، أن تصنع المعجزات ، وأن تهزم صناع المآسي .
الأكثر قراءةً
الأكثر تعليقاً
-
أول تعليق لـ"عبدالرحمن الراشد" على اتهامات تورط سلطنة عُمان في تسليح الحوثيين
-
كاتب سعودي: المملكة تواجه أخطر أزمة منذ تأسيسها.. و3 جبهات مفتوحة تهددها من 3 دول
-
"لا أغلبية".. نتائج الانتخابات الإسرائيلية بعد فرز 100% من الأصوات
-
قطر تشتري الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة
-
طبيب يحذر مرضى الجلطات من تناول الأسبرين مرتين أسبوعيًا.. ويكشف الجرعة المعتمدة للوقاية من تكرارها
-
كاتب سعودي :إيران سوف تكون على علاقة جيدة بإسرائيل في غضون 3 سنوات"
-
حقيقة أم خرافة.. هل يؤدي شحن الهاتف طوال الليل إلى إتلاف البطارية؟

وزير أمريكي يهاجم العرب بعد تصريحات ترامب المسيئة لليبيا واليمن
اجتماع دول اتفاقية مكة ينتهي دون هدنة في اليمن.. ما الأسباب؟
تفاصيل مؤثرة.. خال هارون عبده يكشف ما حدث قبل مقتله على الحدود السعودية
كاتب سعودي :إيران سوف تكون على علاقة جيدة بإسرائيل في غضون 3 سنوات"
أول تعليق لـ"عبدالرحمن الراشد" على اتهامات تورط سلطنة عُمان في تسليح الحوثيين
كاتب سعودي: المملكة تواجه أخطر أزمة منذ تأسيسها.. و3 جبهات مفتوحة تهددها من 3 دول






