رحيل هادي ومحنة الفكر السياسي اليمني
الساعة 02:18 مساءً

ثمة ظاهرة لغوية تداخلت مع السياسة، أو تداخلت السياسة معها، وهي ظاهرة "تجريم اللغة" إن صح المصطلح أولا؛ حيث تنحرف الكلمة من معناها القاموسي المعجمي التجريدي الذي وضعت له، متحولة إلى مصطلح جديد، ذي مدلول مختلف أحيانا جزئيا، وأحيانا كليا، وأتمنى على الباحثين الأكاديميين في اللسانيات المعاصرة أن يتوقفوا عند هذا الموضوع، ويتناولوه بالدراسة والتمحيص العلمي الدقيق، من منظور لغوي وسياسي معا.
ولا أنسى أن أنوه هنا في البداية إلى أن النحو العربي ذاته قد تأثر في جزءٍ منه بالسياسة منذ بواكيره الأولى، كما ذكر كثيرٌ من العلماء والباحثين قديما وحديثا، منذ تشجيع العباسيين للكوفيين، وتشجيع الأمويين للبصريين، كما أشار المؤرخ العالم والمفكر أحمد أمين في كتابه: "ضحى الإسلام" الذي يشير فيه أيضا إلى أن العصبية العلمية بين المدرستين قد قامتا على أساس سياسي، وكذا محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي".
كما ذكر العالم النحوي الكبير محمد الطنطاوي في كتابه: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة أنّ المدرسة البغدادية النحوية قد تأسست رد فعل على صراع المدرستين: البصرية والكوفية، وأنّ هذه المدرسة قد انفرط عِقدها بعد سيطرة بني بويه "الشيعيين" على بغداد..!
وأشير هنا إلى بعض هذه الكلمات، أو المصطلحات التي انحرفت عن معناها الأصلي، نظرًا لتأثير السياسة عليها.
كلمة نبيل، من النبل، ومعناها واضح ومعروف؛ لكنها في الغرب تحديدًا، تشير إلى مصطلح خاص، تبلور مع عصور الإقطاع السياسي، حين أصبح "النبيل" ذلك الأمير/ الحاكم المستبد القاهر، وتشكلت من ثم طبقة "النبلاء"، ومن ثم تحول اللفظ من معناه اللغوي المجرد إلى مدلول سياسي خالص.
ومثل "نبيل" في المصطلح الغربي، "سيد" في المصطلح الشرقي، وتحديدًا في اليمن، فالسيد من السيادة، ساد، يسود، وتُطلق على أي إنسانٍ ذي سلطة، مهما كانت هذه السلطة، حتى سيد الاسطبل؛ لكنها اتخذت منحىً آخر، حين احتكرتها سلالة معينة، لأغراض سياسية، وصرفتها عن معناها الأصلي، فأصبحت كلمة "سيد" مثار اشمئزاز، واستفزاز عند البعض، وها هم الناس اليوم يتقاتلون على ذمة "سيد"..!
وهذا يلفت انتباهنا إلى أهمية دراسة جغرافية المصطلح أولا، قبل دراسة المصطلح ذاته. المصطلح في جغرافيا معينة، غيره في جغرافية أخرى، مع أنّ الجذر واحد..!
من الكلمات التي انحرفت عن معناها الأصلي كلمة "رفيق" وتعني الأخ؛ بل هي أعلى مقامات الأخوة، وفي الآية القرآنية: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).
ارتبطت هذه الكلمة باليسار الماركسي، وبالبعثيين في العقود السابقة، وتحولت من مجرد كلمة عابرة، إلى مصطلح سياسي؛ كونهم أول من استخدمها، وكانوا يعنون بها "الزميل" في العمل التنظيمي، ولأن خصومهم الإسلاميين على طرفي نقيض منهم، فقد استبشع بعضهم أو أغلبهم هذا المصطلح على ما يحمل من إيحاء إيجابي؛ لأنه ارتبط بخصومهم، وذهبوا يشنعون عليه، وينظرون شزرا لمن يتعاطى معه!
ومثل هذا مصطلح "عالم" تشير إلى المتضلع في العلم عند الغرب، فيما هي عندنا في المجتمع الشرقي تشير أيضا حتى إلى حُفّاظ المرويات، وأيضا الوعاظ والخطباء!!
وقريبا مما ذُكر مصطلح: "سحابة صيف" الذي يشير إلى الأمر الهين، يأتي ثم ينقشع بعد وقت قصير، وهذا لا يصح إسقاطه عندنا في اليمن على وجه التحديد؛ لأن الصيف عندنا ممطر، ويصح إسقاطه على مناطق أخرى، تمر سحابة صيفها بلا مطر، مثل شرق أفريقيا، وبلاد الشام، وأجزاء من شمال الجزيرة العربية.
وهكذا تتعرض اللغة للتجريف والتلاعب بلا وعي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص

الأكثر قراءةً

الأكثر تعليقاً

كاريكاتير

بدون عنوان